فخر الدين الرازي
212
تفسير الرازي
والعمرانات مما يغرسه الناس واهتموا به فعرشوه * ( وغير معروشات ) * مما أنبته الله تعالى وحشياً في البراري والجبال فهو غير معروش وقوله : * ( والنخل والزرع ) * فسر ابن عباس * ( الزرع ) * ههنا بجميع الحبوب التي يقتات بها * ( مختلفاً أكله ) * أي لكل شيء منها طعم غير طعم الآخر * ( والأكل ) * كل ما أكل ، وههنا المراد ثمر النخل والزرع ، ومضى القول في * ( الأكل ) * عند قوله : * ( فآتت أكلها ضعفين ) * ( البقرة : 265 ) وقوله : * ( مختلفاً ) * نصب على الحال . أي أنشأه في حال اختلاف أكله ، وهو قد أنشأه من قبل ظهور أكله وأكل ثمره . الجواب : أنه تعالى أنشأها حال اختلاف ثمرها وصدق هذا لا ينافي صدق أنه تعالى أنشأها قبل ذلك أيضاً . وأيضاً نصب على الحال مع أنه يؤكل بعد ذلك بزمان ، لأن اختلاف أكله مقدر كما تقول : مررت برجل معه صقر صائداً به غداً ، أي مقدراً للصيد به غداً . وقرأ ابن كثير ونافع * ( أكله ) * بتخفيف الكاف والباقون * ( أكله ) * في كل القرآن . وأما توحيد الضمير في قوله : * ( مختلفاً أكله ) * فالسبب فيه : أنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعاً كقوله تعالى : * ( وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ) * ( الجمعة : 11 ) والمعنى : إليهما وقوله : * ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) * ( التوبة : 62 ) . وأما قوله : * ( متشابهاً وغير متشابه ) * فقد سبق تفسيره في الآية المتقدمة . ثم قال تعالى : * ( كلوا من ثمره إذا أثمر ) * وفيه مباحث . البحث الأول : أنه تعالى لما ذكر كيفية خلقه لهذه الأشياء ذكر ما هو المقصود الأصلي من خلقها ، وهو انتفاع المكلفين بها ، فقال : * ( كلوا من ثمره ) * واختلفوا ما الفائدة منه ؟ فقال بعضهم : الإباحة . وقال آخرون : بل المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق ، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه ، كان يجوز أن يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المساكين فيه ، بل هذا هو الظاهر فأباح تعالى هذا الأكل ، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعاً من هذا التصرف . وقال بعضهم : بل أباح تعالى ذلك ليبين أن المقصد بخلق هذه النعم . إما الأكل وإما التصدق ، وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق ، لأن رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير . قال تعالى : * ( ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ) * ( القصص : 77 ) . البحث الثاني : تمسك بعضهم بقوله : * ( كلوا من ثمره إذا أثمر ) * بأن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق ، لأن قوله : * ( كلوا ) * خطاب عام يتناول الكل ، فصار هذا جارياً مجرى قوله تعالى : * ( خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) * وأيضاً يمكن التمسك به على أن الأصل عدم وجوب الصدقة ، وأن من ادعى إيجابه كان هو المحتاج إلى الدليل ، فيتمسك به في أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر ، لا يلزمه قضاء ما مضى ، وفي أن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام .